فن أحواش: جوهرة التراث الموسيقي والكوريغرافي الأمازيغي في المغرب

Ahwach dance Morocco

Image : Wikimedia Commons — Auteur : Maaloumaziz — Licence : CC BY-SA 4.0

تعتبر الثقافة الأمازيغية غنية بالعديد من الفنون التقليدية التي تعبر عن ارتباط الإنسان بالأرض والمجتمع، ويعد فن أحواش من أبرز هذه الفنون العريقة التي تعكس الروح الجماعية والجمالية للمجتمع الأمازيغي في مناطق أطلس الكبير والصغير وسوس بوسط وجنوب المغرب. ليس أحواش مجرد رقصة أو غناء تقليدي، بل هو طقس احتفالي كامل يجمع بين الشعر، والإيقاع الموسيقي، والرقص الجماعي الفني.

الأصول والدلالات الثقافية لفن أحواش

ترتبط كلمة "أحواش" في اللغة الأمازيغية بالفناء أو الساحة التي تقام فيها الاحتفالات، وتدل أيضاً على فعل الفرح والاحتفال الجماعي. يُقام هذا الفن في المناسبات الاجتماعية والوطنية كالأعراس، وموسم الحصاد، والأعياد. يعكس أحواش القيم الأساسية للمجتمع الأمازيغي مثل التضامن، والاتحاد، والتناغم بين أفراد القبيلة.

تشارك في أحواش مختلف الفئات العمرية، مما يضمن انتقال هذا التراث الشفهي والفني من جيل إلى جيل. ويتميز بتناسق حركات المشاركين وحفاظهم على إيقاع موحد يعبر عن الوحدة والانسجام.

مكونات العرض الفني في أحواش

يتكون عرض أحواش التقليدي من عدة عناصر تتكامل فيما بينها لتشكيل لوحة فنية متناسقة:

  • الإنشاد الشعري (أورار): يبدأ العرض عادة بتبادل الأبيات الشعرية الارتجالية بين الشعراء (أمذياز أو أنظام)، حيث يتناولون مواضيع تتنوع بين الغزل، الطبيعة، الحكم، والقضايا الاجتماعية.
  • الإيقاع الآلي: يعتمد أحواش بشكل رئيسي على الآلات الإيقاعية مثل "البندير" (الدف الكبيرة) و"التاسيلت" (صفيحة معدنية تُضرب بالحديد)، وأحياناً يُستخدم "المزمار" أو "الناي" لإضافة طابع نغمي.
  • الرقص الجماعي: يقف المشاركون، سواء كانوا رجالاً أو نساءً أو مزيجاً منهما، في صفوف متراصفة أو حلقة دائرية. وتتحرك الصفوف بتناسق دقيق على إيقاع التصفيق وضربات البندير.
  • الزي التقليدي: يرتدي المشاركون أبهى الحلي والألبسة التقليدية الأمازيغية؛ حيث يرتدي الرجال الجلابة المغربية مع الناقوس والعمامة، بينما تتزين النساء بالخِلال الأمازيغية الفضية (تاسغنيت) والملابس الملونة المطرزة.

أنواع وأشكال رقصات أحواش

تختلف أشكال رقصة أحواش من منطقة إلى أخرى بحسب الخصائص المحلية لكل قبيلة، ومن أبرز هذه الأشكال:

أحواش إنتيفة وركراكة

يتميز بالسرعة في الإيقاع والتركيز العالي على حركة الأقدام والتصفيق السريع، مع مشاركة واسعة للشباب.

أحواش درعة وتلوات

يعتمد على الإيقاعات الرزينة والهادئة في بدايته، ثم تتصاعد السرعة تدريجياً، مع إبراز الجانب الشعري والرمزي في الرقص.

استدامة فن أحواش في العصر الحديث

على الرغم من التحولات الثقافية والتكنولوجية الحديثة، ما زال فن أحواش يحافظ على مكانته في قلب التراث الفني الأمازيغي. وتعمل العديد من الجمعيات الفرعية والمهرجانات الوطنية، مثل المهرجان الوطني لفنون أحواش بمدينة ورزازات، على صيانة هذا الموروث اللامادي وتشجيع الفرق الشبابية على ممارسته وتطويره دون المساس بأصالته.

كما ساهمت مجموعات موسيقية معاصرة في إدخال لمسات حديثة على إيقاعات أحواش، مما ساعد على انتشار هذا الفن على الساحة الدولية وتعريف الجمهور العالمي بغنى الثقافة الأمازيغية.

خاتمة

يقف فن أحواش شواهد حية على عراقة التراث الأمازيغي وحيويته عبر العصور. إنه ليس مجرد تعبير موسيقي وحركي، بل هو وثيقة تاريخية واجتماعية تجسد قيم التعاون، والفرح المتبادل، والاعتزاز بالهوية المرتبطة بالأرض والذاكرة الجماعية.