الدسترة والمأسسة: مسار الاعتراف باللغة والأمازيغية في المغرب

IRCAM Rabat building

Image : Wikimedia Commons — Auteur : Vermondo Brugnatelli — Licence : Public domain

شهدت الممارسة اللغوية والثقافية في منطقة شمال أفريقيا تحولات هيكلية بارزة خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل الملف الأمازيغي من أبعاد مطلبية وثقافية محدودة إلى فضاء الاعتراف الدستوري والمؤسساتي الشامل. ويشكل النموذج المغربي إحدى أبرز التجارب في تعاطي الدولة مع التعدد اللغوي، من خلال إرادة سياسية ومسار تشريعي تبلور في أطر قانونية ومؤسساتية محددة.

محطات الاعتراف الدستوري بالمغرب

يمثل خطاب الأجدير سنة 2001 نقطة تحول حاسمة في المسار الرسمي لترسيم اللغة الأمازيغية، حيث أعلن عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كجهة استشارية وتنفيذية ترعى نهوض هذه اللغة وتطويرها. وقد توج هذا المسار بالتعديل الدستوري لسنة 2011، الذي نص في مادته الثانية على أن الأمازيغية تعد لغة رسمية للدولة، ورصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بدون استثناء.

القانون التنظيمي وتحديد مراحل التفعيل

صادق البرلمان المغربي لاحقاً على القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية. ويهدف هذا الإطار التشريعي إلى ما يلي:

  • إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التعليمية بمختلف مستوياتها.
  • استخدام الأمازيغية في وسائل الإعلام العمومية والأنشطة الثقافية.
  • اعتماد الأمازيغية في الإدارات والمرافـق العمومية والخدمات والمحاكم.
  • توفير الوثائق الرسمية وعلامات التشوير باللغتين الرسميتين.

دور المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية

لعب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) دوراً محورياً في معيرة اللغة وتوحيد حرف تيفيناغ كخط رسمي لكتابتها. كما عمل المعهد على إعداد المناهج الدراسية، والمعاجم المتخصصة، ودعم البحث العلمي في مجالات الأدب والأنثروبولوجيا والتاريخ الأمازيغي، مما ساهم في نقل اللغة من الشفاهية إلى التدوين المؤسساتي.

نقاشات حول التحديث والتطبيق الفعلي

رغم المكتسبات القانونية، يظل نقاش التفعيل الميداني للغة الأمازيغية حاضراً في الفضاء العام، حيث تبرز وجهات نظر مختلفة حول وتيرة المأسسة والموارد المرصودة لها:

  • يرى الفاعلون المدنيون والجمعويون: أن وتيرة التفعيل الميداني لازالت تتطلب تسريعاً أكبراً وتخصيص موارد مالية وبشرية كافية لمواكبة التعميم في الإدارات والمدارس.
  • تؤكد الجهات الرسمية: أن تنزيل الطابع الرسمي يتطلب مساراً تدريجياً يرتبط بالتأهيل اللوجستيكي، وتدريب الأطر المطبقة، وتوفير المترجمين في المحاكم والإدارات.

خاتمة

يبقى مسار ترسيم اللغة والأمازيغية بالمغرب نموذجاً للتعددية اللغوية والمأسسة التدريجية للحقوق الثقافية. ومع استمرار الجهود المتبادلة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، يظل الرهان الأساسي هو تحقيق واقع لغوي يضمن تكافؤ الفرص ويعزز الهوية الوطنية التعددية.